من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

الخيل والخير… نموذجان لنبل العلاقة الأبدية ..في تجربتين ببلجيكا وفرنسا

سعيد سامي

لاتزال الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة… دليل آخر على أن الدنيا بخير في الشرق والغرب معا.. في هذه الصفحات نستعرض تجربتين رائعتين تجسدان العلاقة الوثيقة بين الخيل والخير…

إحداهما تتخذ من الخيل ركابا للمضي نحو التخفيف من معاناة المعاقين ومرضى السرطان والأمراض الفادحة الأخرى كمرض الإيدز. تلك كانت تجربة مؤسسة “خيول السعادة” في بلجيكا حيث يتطوع توماس الفارس الشاب لمساعدة الأطفال الذين يعانون صعوبات أو الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة، وذلك في مركز علاجي خاص بهذا الأسلوب الفريد تديره الدكتورة باير فابيان صاحبة الفكرة. وثانيهما تجربة أخرى لا تقل أهمية، ويتعلق الأمر بجمعية “خيول القلب” في فرنسا والتي أسسها إيمانويل واران الذي سابقت مشاعره الخيرة نحو مد يد العون للأطفال المرضى من خلال فكرة رائدة عنوانها روح المبادرة ومضمونها رسالة إنسانية تجعل من مجتمع الخيل شريكا اجتماعيا مسؤولا..

التجربة الأولى: “خيول السعادة” في بلجيكا

قضاء بعض الأوقات السعيدة بالقرب من الخيل، هو ما يعرضه ويقترحه تطوعيا توماس الفارس الشاب على الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة.
في كل نهاية أسبوع يتم تخصيص حصص للأطفال الآتين من أوساط محرومة للإستفادة من دورات التكوين والتدريب أو الضيافة، وكل ذلك يتم لصالحهم بالمجان تماما.
يسمى المركز الذي أنشأته وتديره الدكتورة باير فابيان في بلجيكا مركز ” خيول السعادة ” وهو يعرض أيضا نشاطات مختلفة بالإعتماد على مساعدة الحصان ككائن نبيل يمنح هؤلاء الأطفال تجربة فريدة تغمرهم بالسعادة.

دوافع عاطفية نحو الخيل والإنسان

تذكر الدكتورة باير فابيان مديرة مركز ” خيول السعادة” أن فكرة إنشاء المركز جاءت نتيجة للإطلاع على التجارب العلاجية في مختلف الإحتياجات الطبية، وذلك بحكم عملها في بيئة ذات مجال إسعافي. وتحول ذلك الإطلاع من حصول على معلومات إلى رغبة في التعرف على التجربة عن قرب. ويتعلق الأمر بالتوصل إلى معلومة تفيد بوجود مركز يوفر العلاج باستخدام الحمير يوجد في المملكة المتحدة.
سافرت باير فابيان إلى المملكة المتحدة في العام 2002 وهي على بينة من الإحتياجات الناجمة عن عدم توفر مثل هذه المراكز في بلجيكا . وبما أنها تتمتع بعاطفة تجاه خاصة تجاه الخيل، فقد رغبت في أن تجمع بين عاطفتها نحو الخيل وعاطفتها نحو الإنسان من خلال مشروع يتمثل في إنشاء وتشييد مركز يكون مرجعا في مجال العلاج بالخيل، فكان مركز خيول السعادة وجهة للعديد من الحالات المرضية المستعصية وحالات الإعاقة من أجل مساعدتها على التعافي أو على الأقل عيش أوقات سعيدة بديلا عن الحرمان الذي تعانيه من جراء المرض أو الإعاقة.

تجربة ذاتية وعلمية ويقين بالفكرة

كان لدى الدكتورة فابيان منذ نعومة أظافرها شعور ورغبة عميقة في تقديم العون ومساعدة الآخرين، وهذا الشعور التطوعي والعاطفة الإنسانية قد مثلا لها مفتاح التعليم الذي نهلته من معلمتها خلال مرحلة الطفولة.
تفسر الدكتورة فابيان كيف سيطر عليها ذلك الشعور وتلك العاطفة فتقول :” لأن الخيل ساعدتني كثيرا عندما كنت طفلة، خاصة بعد وفاة جدتي، وبعد سنة أعقبتها وفاة والدي. ويعود ذلك أيضا لحبي وعاطفتي تجاه هذا الحيوان النبيل، القوي والهادئ والأحمق في ذات الوقت. وأيضا يعود عشقي لهذا الحيوان إلى حساسيته، عواطفه الغنية، ذكائه، وفضوله. كل تلك الصفات تجعل منه الشريك المثالي والحقيقي”.

من جهة ثانية، كان لنمو تلك المشاعر مع مراحل الدراسة والتكوين أثرا حاسما في إخراج مشروع “خيول السعادة إلى الوجود. فلدى فابيان خلفية قوية في مجال التمريض، وهي تحمل شهادة في تدريب الفروسية، وتخصصت لاحقا ممرضة بيطرية للخيول في جامعة لييج التي عملت فيها سبع سنوات من البحث العلمي في الفروسية والإستشارات المرتبطة بالطب الرياضي على أعلى مستوياته.
ويمكن اختصار الخبرة الرئيسية لفابيان في مراقبة العلاقة بين الخيل والفارس، وفي التدريب الخاص، والطب البيطري للخيول الرياضية، كل ذلك مكنها من تطوير رياضة الفروسية إلى مستويات عليا. كما أن التدريب المميز في مركزها للخيول الرياضية على مدى سنوات وطريقة الترويض مكنتها من تحقيق نتائج فعالة جعلتها معروفة لدى الأوساط الرياضية في أوربا.
تجربة مركز “خيول السعادة” جعلتها أيضا تهتم بما يسمى الطب البديل، وذلك للتعامل مع الحالات التي عجز عن التعامل معها الطب الإستشفائي. فحبها للخيل وللأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة جعل منها خبيرة في الإستماع والملاحظة والفهم والتحليل، ومقدرة على التعامل مع الحالات المختلفة التي تتطلب كل منها أسلوبا خاصا، ولذلك تتنوع الجلسات العلاجية الخاصة بكل حالة.

عمل مشترك ووساطة لإسعاد الآخرين
يقضي المستفيد من تجربة خيول السعادة وقتا مع ذلك الكائن النبيل، الحصان الذي يمتلك كثيرا من أسرار السعادة بتوجيه من مشاعر دافئة إنسانية تنبعث من قلبي باير فابيان وتوماس رولان ومن يديهما الحانيتين وحبهما للعمل في فضاء علاجي وبيئة إسعافية، ويملأ دورهما المتكامل كامرأة ورجل مؤمنين بعملهما، المسافة الوسطى في العلاقة بين المستفيدين من التجربة وبين الخيول المستعدة مثلهما للعطاء وإهداء الفرحة لمن يحتاجها كثيرا.
تقول فابيان:” يبدأ كل شيء بالتركيز على العلاقة بين الحصان والمستفيد من تجربة خيول السعادة، وهدفنا جعل تلك العلاقة فريدة ودافئة، لذلك نعمل كوسيط لإنجاح تلك العلاقة والإرتفاع بها إلى مستوى فريد معتمدين على كوننا رجل وامرأة يمتهنان الفروسية وعلوم الطب”.
تضيف فابيان:” لكي يتسنى لنا ضمان الجودة وأن نكون رهن الإشارة بالكامل نقوم بتأمين جلسات علاجية فردية أيام السبت، كما نقوم بتنظيم فعاليات خاصة بالأطفال الذين تحتضنهم مختلف المؤسسات. ويشمل ذلك قرابة 300 طفل مستفيد”.

الخيل وأسرار سعادة لمن يحتاجها
تؤكد فابيان أن الخيل تمتلك كثيرا من أسرار السعادة وتحمل معانيها.. تقول:” الخيل معقود في نواصيها الخير وتحمل السعادة، وهي تعطي كل ما لديها من قوة وعاطفة وتفاعل وذكاء للراكب أو المدرب. والشيء نفسه ينطبق على الخيل في ميادين الأنشطة الترفيهية، وكذلك في منافسات الفروسية ذات المستويات العالية”.
وتضيف فابيان:” بالنسبة لي فإن الخبرة التي اكتسبتها على مدى 25 سنة مع الخيل في الرياضات ذات المستويات العالية، جعلتني محظوظة ومنحتني الفرصة للتعرف على كثير من التفاصيل، وسمحت لي بالتعمق في المراقبة ،التدريب وركوب مئات الخيل.
حاليا يوجد في المركز العديد من الخيول التي تعمل في هذا المشروع الرائع على إضفاء أجواء السعادة على المكان وتمتيع المرضى وذوي الإحتياجات الخاصة بألوانها ومشاعرها. كما توجد بعض الخيول التي تعتبر استثنائية بالنظر لخصائصها وعمرها وأدائها الرائع لمهمتها في صناعة السعادة ومنحها بكثير من السخاء، ومن تلك الخيول:
الفرس “نوازيت” وهي ممارسة قديمة للكابوي وعمرها 22 عاما، الفرس “لونا” وهي فرس من سلالة عربية أصيلة وعمرها 12 عاما، “الفرس” بالو وهي من سلالة إنجليزية عربية وعمرها 40 عاما”.

عاطفة توماس تحقق حلم طفولة جريحة
توماس رولان طالب فرنسي شاب يدرس الطب البيطري في جامعة لييج، حيث قرر وهو فارس ذو مستوى عال في قفز الحواجز، تجميد نشاطات رياضة الفروسية، من أجل إكمال دراسته الجامعية في بلجيكا.
يبلغ من العمر 24 عاما، ومنذ 4 سنوات يتقاسم ولعه بالجواد وركوب الخيل في مركز للفروسية مع أطفال من ذوي الإحتياجات الخاصة وشباب يعانين من أمراض خطيرة أو آتين من أوساط محرومة.
توماس أيضا فارس ذو شهرة عالمية وفاز بالعديد من السباقات. أراد أن يتقاسم موهبته وعشقه للخيول مع الأشخاص الذين لم يحالفهم الحظ في حياتهم. ومدربا للخيول، يتردد كل يوم إلى المركز ليبرهن وهو بالقرب من المتدربين على إخلاصه الذي لاحدود له.
إلتقت به فابيان بين ردهات كلية الطب البيطري عندما كانت تبحث عن متطوعين للعمل في العلاج بالخيل وكان ذلك خلال عام 2005. وفي عام 2006 إنضم الدكتور توماس إلى فريق العمل من المتطوعين لرعاية الأطفال المرضى وذوي الإحتياجات الخاصة .ومن أجل أن يقوم بهذ العمل التطوعي، فقد قرر الدكتور توماس إلغاء رحلة لزيارة والديه وفضل البقاء لتقديم كل العون والمساعدة لتلك الفئة من الأطفال.
وخلال تواجدهما معا بالريف، وفرت له فابيان كافة متطلبات الضيافة في منزلها وتبادلا التعاون في مختلف المواضيع التي تجمع بينهما في حب الخيل والخير. جمعتهما نفس العواطف ونفس الحوافز ونفس التطلعات.
تصف الدكتورة باير فابيان الشاب توماس قائلة:” يتمتع بالشجاعة، بالكرم والعاطفة. إن لديه عاطفة قوية تجاه الطب الرياضي للخيل بالإضافة إلى علم الجينات. ولكن عاطفته تظل قوية تجاه الخيل”. وتضيف:”إن توماس دائم البحث والتطلع نحو الأحسن والأفضل إلى جانب بحثه عن الإبتكارات التكنولوجية الحديثة في مجال الطب البيطري. ودائما يظهر الكثير من الطموح والرغبة في التقدم والتطور نحو أهدافه الرئيسة كإنشاء عيادة دولية للفروسية تستطيع رعاية المركز. في اعتقادي أن توماس لديه مستقبل واعد في مجالات الطب البيطري للفروسية”.

“فابيان” و “توماس” والخطوة التالية
بدافع عشقهما للخيل وحبهما للنشاط العلاجي في المركز وإيمانهما برسالتهما الإنسانية تجاه الفئات التي تستهدفها خيول السعادة، يسعى كل من فابيان وتوماس إلى تطوير المركز وتنويع مصادر الدعم والموارد التي من شأنها توسيع نطاق العمل وعدد المستفيدين.
تقول فابيان:” خلال 13 شهرا سيكون توماس قد أكمل دراسته الجامعية في الطب البيطري، وسنعمل سويا على إنشاء وتأسيس عيادة بيطرية متخصصة في الطب الرياضي للخيل، وأيضا من أجل ترويض وتدريب الخيول ورعايتها، وهو ماسيعزز إمكانياتنا في توفير المصادر والموارد التي تقوم وتعمل عليها العيادة”.
قد يتطلب هذا العمل جهدا كبيرا وعملا في أكثر من اتجاه، غير أن فابيان ترد بالقول:” أنا والدكتور توماس نعشق ركوب الخيل ومتمرسين في هذه الرياضة، وسنجتهد من أجل توفير الدعم والإعانات والتبرعات. وكلانا يحذونا الأمل الكبير ويملؤنا التطلع والنظر الإيجابي إلى المستقبل بكثير من التفاؤل”.
إن أهم العناصر المؤسسة لأي مشروع أو لمشروع خاص بالخيل ونشاطاتها، فضلا عن البعد الخيري، هي توفير كافة الإحتياجات المحددة له، والمعرفة التامة بالخيل، والمجال الإسعافي المنافس، والخبرة في تدريس فن الفروسية. ولاشك أن كل ذلك متوفر لدى فابيان وتوماس، غير أن فابيان، ونظرا لحجم التوسع الذي يعتزمان القيام به، ترى أيضا أن ” من المهم والضروري مراجعة كافة الإحتمالات قبل الشروع في عملية التشييد كما من الضروري كذلك العمل مع الأشخاص أصحاب الدراية والكفاءة فضلا عن العاطفة”.
وانطلاقا من تجربتها الخاصة في مركز خيول السعادة، ترى فابيان أن عوامل نجاح أي تجربة مماثلة تعود إلى مستوى العلاقة، والتصميم والعزم، والمثابرة والقدرة على اختيار أفضل الشركاء وفريق العمل .
إن الشركاء الحقيقيين لم يكونوا في بداية رحلة العطاء بأول خطوة مع إنشاء مركز خيول السعادة، سوى عدد من المتطوعين. تقول فابيان:” منذ اليوم الأول كنا متطوعين 100% ولم تقدم لنا السلطات البلجيكية أية مساعدات، بل كنا نعتمد على المساهمين والرعاة من القطاع الخاص. ولسوء الحظ لم يكن بحوزتنا مصادر كافية لأداء الواجب اليومي كاملا. لكننا قطعنا شوطا في تحقيق بعض الإمكانيات الأساسية وإن كانت غير كافية. أما اليوم فإننا نحتاج عددا من الخيول النشيطة وأرضا تكلف مليون دولار تتسع لاستيعاب الأعمال والخيول والأطفال المرشحين للتزايد بأعداد كبيرة. كما أننا في أمس الحاجة إلى شاحنتين صغيرتين لايتعدى سعر الواحدة منهما ثلاثون ألف دولار، لنقل الخيل إلى المعاهد الطبية ونقل الأطفال الذين لايستطيعون الحركة وهم يأملون تحقيق حلمهم بالسعادة ليوم واحد على الأقل”.

خيول السعادة تجربة قابلة للإنتقال
إن مركز خيول السعادة هو بالفعل تجربة رائعة للغاية، وهي قابلة للتصدير. ولعل الإمارات مكان مناسب لنقل هذه التجربة، لأن الخيل والخير هما أحد أكبر العناوين التي تعرف بها الدولة وقادتها. وإذا كان إنجاز مشروع مماثل يحتاج بالدرجة الأولى إلى العاطفة، المعرفة والدراية، المعايير والمقاييس المطلوبة، حب الخيل والخير، فإن الإمارات إحدى أفضل الوجهات المفضلة لنقل التجربة في العالم، وبامتياز كبير.

التجربة الثانية: “خيول القلب” في فرنسا

إذا كان للخيل قلب ، فإن الذين يحبونها يبدو أنهم يملكون أكثر من قلب، أو لنقل قلبا كبيرا يجد كل الذين عصفت بهم برودة الأسى، مكانا دافئا في مملكته.
إيمانيول الذي عاش خمسين عاما من الحب مع الخيل كان سعيدا بامتلاكها والإعتناء بها خلال 20 عاما في إسطبل بيير فيركرويس المتسابق المشهور في عالم سباقات خيول العربة، مثلما كان سعيدا عندما كان يتردد على إسطبلات جروزبوا حيث يجد سعادة غامرة وهو يتحدث إلى الخيل، أراد وبواسطة الخيل أن يعيد هذا الحب إلى وجهته الصحيحة، من خلال مفهوم غير مسبوق نبت في ذهنه وهو إنشاء إسطبل للسباق حيث تفوز الخيل بالمال لأجل سبب وجيه.

بداية قصة “خيول القلب” نحو نبلها
بحكم عمل زوجته في القطاع الصحي، كان إيمانويل الذي يعمل مسؤول خدمة العملاء بشركة للتأمين، والذي وجد نفسه مهووسا بحب الخيل طيلة حياته، كان كثيرا مايصادف، خلال زيارته لزوجته في مكان عملها، حالات مرضية صعبة لدى العديد من الأطفال، وهو ما أثر فيه كثيرا. وحيث إن إيمانيول لم تكن حياته سهلة فهو يدرك مدى أهمية الوقوف بجانب المرضى والمعوزين ومد اليد إليهم لمساعدتهم على تجاوز بعض الصعوبات والتخفيف من آلامهم ومشاطرتهم بعض الفرح.
بدأت المغامرة مع فرانس جالوب التي قبلت إطلاق القبعة السوداء المتوجة بقلب أحمر. وبدأت أولى خطوات المشروع بحصان إسمه مونستراك (Moonstruck) تم جلبه بعدما ابتعد عنه صاحبه. مونستراك كان مصابا ورغم معالجته إلا أن الظن كان يغلب أنه لامستقبل له في السباقات. إيمانويل واران كان يأمل أن يعطيه حياة ثانية عندما كلفه بمهمة في جمعية للأطفال المعاقين. هذه الهدية مكنت من جلب السعادة، والهدوء والصداقة. هنا كان لسان حال واران يقول: لماذا لا نجعل عالم الخيل حليفا لقضية إنسانية؟ ولم لاتركض الخيل من أجل الأطفال المرضى حيث الحياة ليست دائما سهلة؟

دفء خيول القلب يمحو برودة معاناة الأطفال
فانطلاقا من عاطفته ومن الحاجة إلى تقاسمها قام إيمانويل واران بتأسيس خيول القلب. دعوته قامت على تجميع الأموال من خلال الفوز في السباق من أجل دعم جمعيات تشترك في العناية بالأطفال المرضى. ذلك كان بالنسبة له سببا وجيها لتأسيس جمعية “خيول القلب” وجعل الخيل تركض لصالح أربع جمعيات تعنى بالأطفال المرضى؛ جمعية “لوريت فوجان” التي تعمل على علاج مرضى سرطان الدم وحالات اليأس من الحياة، وجمعية “قلوب في المشهد” وهي تعنى بمساعدة الأطفال المرضى وعائلاتهم بمختلف الوسائل، وجمعية “اللوحات الساحرة” التي كان لها الفضل في إدخال السينما للمستشفيات، وجمعية الطفل و المستشفى (L enfant@L hopital ) التي تعنى بإعادة التأهيل التربوي للأطفال المرضى.
وكما لو أن الأمر يتعلق بوجبة فريدة، فقد اختصر إيمانويل واران مكوناتها في أن يخصص ملاك الخيل نسبة 10% على الأقل كأسهم من الحصان ومن قميص فريقه لصالح “خيول القلب” التي تخصص منها 80% لصالح الجمعيات الشريكة بالتساوي بعد فوز الحصان في سباقات السرعة أو سباقات خيول العربات أو سباقات قفز الحواجز. بينما تخصص 20% من المبلغ المحصل من السباقات لدفع المعاشات التقاعدية وربما لتأميل مستقبل الخيل والإستمرار في قيام خيول القلب في تأدية رسالتها وتطوير أدائها.
لقد احتاج إيمانويل واران ثمانية عشر شهرا من أجل الوصول إلى إقناع العالم بأهمية مفهوم جديد غير معهود لدعم الأطفال المرضى، لكنه عندما استوعبت الجهات المختصة فكرته ووافقت عليها، احتاج إيمانويل إلى دقائق معدودة لتحقيق المفهوم في الواقع بواسطة أول من تجاوب مع الفكرة من عامة الناس. لقد كانت مساعدة المحامية بلانش دو جرانفيليي أول المساهمين في تحقيق حلم إيمانويل عندما وقفت إلى جانبه مؤمنة بنبل الفكرة ومضحية بوقت طويل لاتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بانطلاق مشروع للمشروع. ثم توالى إقبال أصحاب القلوب الخيرة واجتمع العديد منهم على قلب رجل واحد ومهجة حصان واحد، اجتمع المختص في القانون مع المختص في البيطرة مع الإعلامي والمصور الفوتوغرافي إلى جانب المالك والمدرب والفارس ليسطروا جميعا حروف النبل في قصة نسجتها عاطفة الخيل والإنسان لتهب الدفء للأطفال المرضى الذين طالتهم برودة المعاناة.

لكل الناس قلب وكلهم معنيون بالخير
وبما أن الفكرة تتخذ من الخيل وسيلة لتنفيذ الفكرة، فإن المعني طبعا سيكون أحد ملاك الخيل. وقبل ذلك كان على إيمانويل أن يعطي البرهان على دعوته الخيرية بداية من نفسه. يقول إيمانويل واران:”عندما أدركت أن “خيول القلب” ستظل هي نفسها معرضة للصعوبات وفي حاجة إلى دعم ميزانيتها، أردت أن أحمل أو أضع لبنة صغيرة في بنائها بأن وهبت حصانا جيدا تعود مكاسبه للجمعية وهي تحث الملاك على المشاركة في تعزيز رصيدها المالي لأهداف خيرية”. واليوم فإن الجمعية تفتح أبوابها أيضا أمام المبتدئين من الراغبين في ممارسة الفروسية واكتشاف أجواء السعادة التي تمنحها تجربة التدريب أو تنظيف الحصان وجاذبية حصص التأهيل، وكل ذلك يعزز الملاءة المالية للجمعية ويساعدها على القيام بدورها الإنساني ومساعدة المرضى وعائلاتهم.
وبإمكان الجميع أن يشارك إيمانويل واران رسالته السامية، فالجميع معنيون بهذا الهدف النبيل؛ الملاك والمربون والمدربون وكذا الأفراد والمؤسسات والمهن الحرة. الذين يهبون بعض مكاسبهم لفئات تستحق عاطفة الخيل والإنسان عندما تنبع من مشكاة واحدة عنوانها الخير. الخير الذي يحتاجه المرضى أكثر مما يحتاجه الفقراء الأصحاء. لكن الجميع في مجتمع الخيل وفي كل مجتمع، معني بالخير لأن للجميع قلب في النهاية.

هناك من يفاوض الناس بقلبه
لكن جمعية خيول القلب كانت في حاجة إلى فارس يحقق الفوز في ميدان السباق وفارس يحقق الفوز في ميادين الإقناع، فقد وجدت الجمعية صدى لها في قلوب ملاك وفرسان مشهورين مثل بيير فيركروسي. كما وجدت لها صدى واسعا في قلب اليد اليمنى لإيمانويل واران، إنها فيرونيك فيرفا عرابة “خيول القلب” والجوهرة النادرة.
عندما قام إيمانويل واران في البداية بإطلاق عملية ترويجية ل”خيول القلب” مستعملا نداء دومينيك دو بيلليج رئيس شركة الحصان الفرنسي وهي الشركة الأم للسباق عندما قال:” أتمنى أن يجد إسطبل خيول القلب دعما وهو يشارك في السباقات بقميص مميز، قميص وقبعة سوداوان مع قلب كبير أحمر “. لقد وجد النداء صداه في قلب فيرونيك فيرفا التي سيؤول إليها أمر جلب الرعاة والداعمين بروح فروسية متميزة تستوعب لماذا على الناس أن يدعموا مثل هذه الجمعية.
يقول إيمانويل أن مايميز فيرونيك هو ثلاثة عناصر هي الجاذبية والموهبة والكرم الذي يعد أهم مايميزها. أما هي فتتساءل:” لماذا لانتقاسم المال إذا كان ذلك لسبب وجيه؟ الخيول مرت من عدة مراحل عاطفية. والأطفال في حاجة إليها. الفوز هو أحد العناصر الكبرى لعلاج الأطفال”.
وتؤكد فيرونيك أنها كبرت في كل المضامير المستوية، الحواجز وغيرها. ولذلك أصبح من السهل بالنسبة لها التوجه نحو الناس وحثهم على المساهمة في مشروع خيري. تقول:” أنا لم أسع لهذا، لقد وجدتني في الميدان، أتفاوض مع الناس من كل قلبي”.

الأفكار النبيلة تحتاج أفضل مانملك
هكذا تعرفنا على تجربتين إنسانيتين جميلتين تترجمان العلاقة الأبدية بين الخيل والخير. رأينا كيف أن مركز خيول السعادة هو بالفعل تجربة رائعة للغاية، وهي قابلة للتصدير. وعلى الرغم من تقدم مشروع “خيول القلب” نحو أهدافه النبيلة دون توقف، وبعد أن تحول نجاح فكرة إنسانية عظيمة إلى بحث مستمر عن الأطفال المرضى في المستشفيات، وتنظيم سباقات ومناسبات لأجلهم، وتقاسم الحب والمال بالخيل والخير لمساعدتهم ومساعدة عائلاتهم، فإن مايمكن ملاحظته أخيرا هو أن المشاريع الخيرية تحتاج إلى قلوب خيرة باستمرار. وعندما يتعلق الأمر بضرورة الفوز لأجل الحصول على المال لدعم المرضى أو ماشابه ذلك، فإن الاحتمالات الدائمة للفوز تتعزز مع مساهمة الملاك بأفضل الخيول.
ولعل الإمارات مكان مناسب لنقل هذه التجارب النبيلة، لأن الخيل والخير هما أحد أكبر العناوين التي تعرف بها الدولة وقياداتها. وإذا كان إنجاز مشاريع مماثلة يحتاج بالدرجة الأولى إلى العاطفة، المعرفة والدراية، المعايير والمقاييس المطلوبة، حب الخيل والخير، فإن الإمارات إحدى أفضل الوجهات المفضلة لنقل التجربة في العالم، وبامتياز كبير.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *